تراقب بيروت وبغداد مساعي كلٍّ منهما إلى حصر القوة العسكرية بيد الدولة.
حسن حمره
{
"authors": [
"أرميناك توكماجيان"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace",
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"collections": [
"حقبة جديدة في سورية"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"programs": [],
"projects": [],
"regions": [
"سورية",
"المشرق العربي"
],
"topics": []
}سيكون للمكاسب التي حقّقتها الحكومة في الشمال الغربي صدى على الصعيد الوطني، ولكن هل ستغيّر الحسابات الإسرائيلية؟
اجتازت قوات الحكومة السورية، بعبورها نهر الفرات في الأيام الماضية، حدًّا فاصلًا عمره عقدٌ من الزمن، كان أسهم في تشكيل ملامح الصراع السوري، وحافظت خلفه قوات سورية الديمقراطية (قسد) التي يطغى عليها الأكراد على منطقةٍ ذات إدارة ذاتية بحكم الأمر الواقع في شمال شرق سورية. وقد تتأرجح المرحلة التالية بين المواجهة، في حال فشل الحوار، والتفاوض المعقّد بشأن حقوق الأكراد، والسيطرة على السلاح، والمشاركة السياسية، وغير ذلك من المسائل التي لن يكون من السهل حلّها. ويبدو أن تماسك سورية سيُحسَم في الشمال الشرقي، مع ارتداداتٍ ستطال أجزاء أخرى من البلاد، ولا سيما في الجنوب حيث طالبت شخصيات نافذة من الطائفة الدرزية بحقّ تقرير المصير لمحافظة السويداء.
وقد بدأت التطوّرات الأخيرة مع مطلع العام الجديد. فبعد أن دفعت قوات الحكومة المقاتلين الأكراد خارج حلب، وجّهت أنظارها إلى مناطق في غرب الفرات، حيث كانت "قسد" انتشرت خلال فترة الفراغ التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد. وتوسّطت الولايات المتحدة في محادثاتٍ أُجريَت بالتوازي مع الحشد العسكري، وأفضت لفترة وجيزة إلى صيغةٍ قابلةٍ للتطبيق، وهي انسحاب "قسد" شرق الفرات. لكن القطيعة حصلت خلال عملية الانسحاب والتسليم، حينما انتفضت العشائر العربية في كلٍّ من دير الزور والرقّة ضدّ "قسد"، ما أرغم وحداتها على التراجع شمالًا في اتجاه المناطق ذات الغالبية الكردية. وفي 18 كانون الثاني/يناير، حالت اتفاقية لصالح دمشق دون نشوب مواجهة شاملة لفترة قصيرة جدًّا، إذ ما لبث أن انهار في 20 كانون الثاني/يناير، ما دفع "قسد" للدعوة إلى التعبئة العامة، قبل أن توافق الأطراف على وقفٍ آخر للقتال من أجل استئناف المفاوضات، على الرغم من أن التوتّرات بقيت مرتفعةً للغاية.
والواقع أن الصراع في الشمال الشرقي ينطوي على أبعاد كثيرة. فهو يعكس سعي دمشق إلى كبح المناطق الطرفية المتمرّدة، ولكن الشمال الشرقي هو أيضًا الساحة الرئيسة التي تتصادم فيها رؤيتان استراتيجيتان لسورية يقودهما الخارج. ترى الاستراتيجية الأولى، المرتبطة أساسًا بإسرائيل، والمدعومة ربما من الإمارات العربية المتحدة، مصلحةً في تقسيم سورية إلى أجزاء قابلةٍ للإدارة. أما الاستراتيجية الثانية، التي ساقتها تركيا والمملكة العربية السعودية، وتبنّتها واشنطن لاحقًا، فتراهن على دولةٍ سورية مركزية تُدار من أعلى هرم السلطة في دمشق، حيث تحتكر الدولة القوة والتمثيل. ووفق هذا النهج، يُعاد دمج جميع المكوّنات الطائفية والعرقية في سورية في النسيج الوطني عبر مساومات مع النظام. لكن المشكلة حتى الآن هي أن هذا الهدف كان أقرب إلى لملمة أجزاء سورية الممزّقة منه إلى إطلاق عملية إعادة دمجٍ مستدامة.
ويُعَدّ انهيار الكيان المستقلّ بحكم الأمر الواقع بقيادة الأكراد في شمال شرق سورية الانتصارَ الأوضح حتى الآن للنهج الثاني، ولتركيا بالدرجة الأولى. ومع تفكّك "قسد"، طالب بعض القادة الأكراد بالتدخّل الإسرائيلي. لكن على الرغم من هذه المناشدة الضمنية لبناء تحالفٍ بين الأقليات، لطالما نظرت أنقرة، وهي اللاعب الأهمّ، إلى المسألة الكردية على أنها مشكلة أمن قومي على حدودها الجنوبية. ومن هذا المنظور، مثّل الكيان الكردي تهديدًا استراتيجيًا لتركيا، فأصبح تفكيكه هدفًا محوريًا، سعت أنقرة إلى تحقيقه بصبرٍ وبتكلفةٍ باهظةٍ على مدى أكثر من عقد. وقد تفضّل إسرائيل تجزئة سورية، وهي لا تتّفق مع تركيا في الكثير من القضايا، إلا أن توقُّع أن تتحدّى مصالحَ أنقرة على حدودها، وخلافًا للتفضيلات الأميركية، لم يكن يومًا طرحًا واقعيًا.
والمفارقة أن سياسة تركيا الأمنية على الحدود تشكّل دليلًا مفيدًا لنهج إسرائيل في الجنوب. فانهيار "قسد" ساهم في تقوية دمشق، والجهات السورية التي ترفض تفتيت البلاد، وهو ما قد يخفّف مع الوقت حدّة مطالب إسرائيل القصوى. ومع ذلك، لا بدّ لأيّ ترتيبٍ في الجنوب أن يراعي متطلّبات إسرائيل الحدودية، تمامًا كما ينبغي على أيّ ترتيبٍ في الشمال أن يراعي المصالح التركية. وما سيتمكّن الرئيس السوري أحمد الشرع من تحقيقه في الجنوب بعد نجاح الحملة في الشمال الشرقي يبقى مرهونًا بكيفية تعريف إسرائيل للمنظومة الأمنية على حدودها الشمالية في السنوات المقبلة.
تستند سياسة إسرائيل في جنوب سورية إلى مبدأَين أساسيَّين: الأول هو إنشاء منطقةٍ عازلة إلى الشمال من مرتفعات الجولان المحتلّة؛ والثاني هو اتّباع نهجِ تقسيم سورية إلى كياناتٍ إثنية وطائفية. إن الدافع وراء إقامة مناطق عازلة نابعٌ من اعتبارات تاريخية، ومتجذّرٌ في السياق الذي أفرزته الصراعات السابقة بين إسرائيل وسورية، ولا سيما اتفاقية فضّ الاشتباك للعام 1974 التي وقّعها الجانبان بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973. وتمّ بموجب هذه الاتفاقية إقامة منطقة فصل خاضعة لمراقبة الأمم المتحدة شمال الجولان، وتخفيف الأسلحة على طرفَي الخط الفاصل.
وسّع الصراع في سورية بعد العام 2011 مفهوم "المنطقة العازلة"، وبلغ هذا التحوّل ذروته في الاتفاق الذي تم التوصّل إليه بوساطة روسيا في العام 2018. فقد جسّد الاتفاق أولوية إسرائيل في الانتقال من إنشاء منطقةٍ لحماية الجولان إلى هدفٍ أشمل هو إزالة أي تهديدات مُحتملة آتية من جنوب غرب سورية، سواء من دمشق أو من حلفائها. ومع أن الأسد وروسيا أصبحا خارج المشهد، ما زال جوهر اتفاق العام 2018 يوجّه التفكير الإسرائيلي. وأدّت أحداث غزة بدءًا من هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى تشديد هذا النهج أكثر، إذ باتت المنطقة العازلة في سورية جزءًا من حزامٍ أوسع من المناطق العازلة المحيطة بإسرائيل، يشمل أيضًا غزة ولبنان.
تتجلّى أهمية هذا الأمر في أن إسرائيل ستواصل التمسّك باستراتيجية المنطقة العازلة، حتى مع تمكُّن الشرع من تعزيز موقعه في شمال شرق البلاد، وانحسار تأثير الجهات الساعية إلى تقسيم سورية. ما قد يتغيّر هو نطاق هذه الاستراتيجية وطريقة تقديمها. فإسرائيل قد تُدفع نحو إبرام اتفاقٍ قابلٍ للتطبيق يمنح سورية هامشًا لتحقيق الاستقرار، في ظلّ تقليص الإسرائيليين انتهاكاتهم للسيادة السورية وخفض سقف بعض مطالبهم، بما فيها إنشاء منطقة منزوعة السلاح تمتّد إلى دمشق. لكن ميزان القوى ما زال راجحًا لصالح إسرائيل، التي تعتبر أن إقامة المناطق العازلة هي من ركائز أمنها القومي. لذا، لا ينبغي الافتراض بأنّ الإسرائيليين سيقدّمون تنازلاتٍ كبرى.
في المقابل، يُعدّ التوجّه الإسرائيلي نحو تقسيم سورية، الذي يغذّي بعض المطالب الدرزية في السويداء بحقهم في تقرير مصيرهم، سياسةً أقلّ رسوخًا وأكثر ارتباطًا بالظروف المحيطة التي تشكّلت بفعل التشرذم الذي خلّفه سقوط نظام الأسد، والاحتمال القائم بحدوثٍ مزيدٍ من التفكّك في البلاد. واقع الحال أن الدروز لديهم أسباب مشروعة للتوجّس من رئيسٍ جديدٍ كان، حتى وقتٍ قريب، منخرطًا في العمل الجهادي؛ وقد عزّزت هذه الهواجس رغبتهم في الحكم الذاتي. لكن مصير هذا الحكم الذاتي لا يتوقّف على العوامل المحلية فحسب، بل يرتبط بالحسابات الإسرائيلية الأوسع حيال تقسيم سورية.
قد لا تتخلّى حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن الدروز، نظرًا إلى ثقلهم السياسي في إسرائيل ودورهم المهم في الجيش. لكن في ظلّ سعي تركيا والسعودية إلى قيام دولةٍ سورية موحّدة، ودعم واشنطن هذا الهدف، بات من الصعب على إسرائيل التمسّك بسياسة التقسيم كمبدأ استراتيجي. في الواقع، يكشف سلوك إسرائيل عن هرمية أولوياتها. ويُرجّح أن تكون خارطة الطريق التي اعتُمِدت في أيلول/سبتمبر 2025 لحلّ الأزمة في محافظة السويداء، والتي لبّت مطالب الحكومة السورية، قد حظيت بموافقة إسرائيل، ما يوحي بأن هذه الأخيرة مستعدّة لإبداء مرونةٍ بشأن الترتيبات السياسية المحلية. في المقابل، يبدو إصرار إسرائيل على إقامة منطقة عازلة قوية أكثر رسوخًا، ولا سيما أنه يحظى بدعم مؤسساتها العسكرية والسياسية والأمنية على السواء.
ولكي ينتقل صدى التطوّرات في الشمال الشرقي إلى جنوب البلاد، يجب على دمشق أن تثبت قدرتها على توطيد سيطرتها في المناطق الكردية. وفي حال تَحقّق ذلك، ستمتدّ التأثيرات إلى أجزاء أخرى من سورية، بما فيها الجنوب. لكن المتضرّر من ذلك سيكون الحكم الذاتي النسبي الذي يتمتّع به الدروز في السويداء والذي سيرزح تحت وطأة ضغوطٍ متزايدة، وليس نهج إسرائيل الراسخ في إقامة منطقةٍ أمنيةٍ داخل سورية، حتى على حساب سيادة الدول المجاورة.
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
تراقب بيروت وبغداد مساعي كلٍّ منهما إلى حصر القوة العسكرية بيد الدولة.
حسن حمره
هذا ما تشير إليه التسريبات التي نشرتها الجزيرة، لكن القصة قد تكون أكثر تعقيدًا.
محمد فواز
تشعر القيادة في طهران بقلق متزايد إزاء التحدّيات المتعدّدة الممتدّة من المشرق إلى جنوب القوقاز.
أرميناك توكماجيان
تؤدّي المسيّرات الإسرائيلية اليوم أدوارًا شتّى، تتراوح بين تنفيذ اغتيالات، وتفتيش الحقائب، وتوجيه الجواسيس العاملين لصالح إسرائيل.
مهنّد الحاج علي, محمد نجم
في ظلّ تعثّر الحكومة في هذه المهمّة، قد يكون مسار الإصلاح الدستوري أمرًا لا مفرّ منه.
مايكل يونغ